ابو البركات

203

الكتاب المعتبر في الحكمة

الحرارة من شعاعها الواقع على ما تطلع عليه من الأرض ودوام ذلك الطلوع يوجب زيادة في ذلك الحر فحرارة النهار الأطول أشد وأقوى وبهذا الاعتبار يكون الزمان الذي نهاره أطول أشد حرا وذلك هو زمان الصيف في كل موضع والزمان الذي ليله أطول أشد بردا وذلك هو زمان الشتاء في كل موضع والموضع الذي يساوى نهاره ليله ابدا تتشابه وتتقارب أحوال زمانه في الحر والبرد ولا يشتد فيه حر ولا برد والذي يتقارب يتقارب والذي يتفاوت يتفاوت وبحسب التقارب والتفاوت يخالف الصيف الشتاء في شدة الحر والبرد الموجودين في الشتاء والصيف في كل مكان وتتفاوت بعد ذلك الأقاليم والاصقاع في شدة الحر والبرد فالذين نهارهم الأطول أطول لا يكون حر صيفهم أشد من حر صيف الذين أطول نهارهم اقصر من أطول نهار هؤلاء وكان القياس يقتضى أن تكون زيادة الحر على الحر مثل زيادة النهار على النهار ولا تجد الامر كذلك بل تجده بالضد إذ يكون حر الصيف عند الذين نهارهم أطول أضعف وبرد شتائهم أقوى وأشد والذين نهارهم اقصر حر صيفهم أشد وبرد شتائهم أقل والسبب في ذلك هو أن الحال كذلك في كل صقع بقياس نهاره الأطول إلى نهاره الأقصر واما في مقايسة صقع إلى صقع فيختلف لأسباب أخرى أحدها ان الذين نهار صيفهم أطول من نهار صيف آخرين يكون ليل شتائهم أطول من ليل شتائهم وطول الليل يوجب شدة البرد وبقاء الثلوج والبرودة في الأرض فلا يعتدل حرهم وبردهم في اعتدال نهارهم بل يغلب البرد لما استقر في الأرض من البرودة ولا يسخن الا في زمن أطول ثم لا تدوم السخونة مدة في مثلها تعود أسباب البرودة من طول الليل ولا تبقى الحرارة في الأرض مثل بقاء البرودة لان البرودة للأرض بالطبع وتستقر ببقاء الثلج فتكون للبرودة بعد انقضاء السبب الموجب أسباب حافظة وهي برودة الأرض الطبيعية وما اكتسبته من برد الثلوج والحرارة تنقضى مع انقضاء أسبابها ولا تلبث الا قليلا لأن طبيعة الأرض تضادها وتبطلها وليس لها مدد يبقى كالثلج للبرودة ولذلك ترى البلاد التي يدوم بقاء الثلج فيها صيفها أبرد وحرها أضعف فالدوام يقتضى